الدفاع عن حقوق الشيطان
خالد حسين الشطي 26/10/2005
كنت اعاني وانا اقارن بين ما اقرأ في
الدين والتاريخ والسير، وبين الكتابات المعاصرة والمدارس والمذاهب
والادبيات التي تنعكس في مناهج
تعليمية ودراسات علمية، ومؤلفات وروايات.. وحتى مسلسلات تلفزيونية، اعاني من فهم
وهضم قضية تكاد تكون ظاهرة تاريخية، هي الدفاع عن الظلمة، وتلميع شخصيات موغلة في
التعدي والاجرام، رغم ان جانبا مغيبا من التاريخ نفسه يذكر مثالب هؤلاء، والطعون
التي تكشف حقائقهم، لكن هناك دائما من يريد ان يتعامى ويتصامم، ثم يبكم عن هذه
الحقائق.
وان عشت اراك الدهر عجبا..
ما كنت احسب ان ينبري احد للدفاع عن صدام، وكنت اظن ان المحكمة ستنتدب من يسقط
التكليف، ويؤمن الشكل القانوني للمحاكمة فحسب، بل اني في المرحلة الاولى ما كنت
احسب ان صداما سيحاكم، وكنت جازما انه سيعدم ميدانيا، ثم يسحل على الطريقة
العراقية، وتقوم بعدها «الهوشات» على وقع «الهوسات»، بين الناس على توزيع اشلائه،
ومَن مِن الجماهير سيحظى بشرف إحراق الجزء الاكبر من جثة ذلك «المسخ».
فإذا بـ «اسلاميين» يجاهدون ويضحون وينتحرون ليعيدوا حكمه. وبمتظاهرين يستميتون
ليرفعوا صوره في تكريت، وبمحامين عراقيين وعرب يتطوعون للترافع دفاعا عنه، ولجان
دفاع عن حقوق الانسان تشكل لتتابع حالته، و«الخدوش» التي تنال من شأنه، ومن تميزه
في معتقله، وندوات، وبرامج تلفزيونية، واذاعة تلاحق ما يمس حقوقه وعدالة محاكمته.
مع بدء محاكمة الطاغية، ترى بأن الاجواء في الاعلام العربي يعمها الحديث عن قسوة
حكم الاعدام، وضرورة الغائه، وعن مفاهيم العدالة والشرعية والقانونية، وعن اغيب
الغائبات والمغيبات في عالمنا العربي: حقوق الانسان، اما الاعجب والاغرب، فهو ان
الذين كانوا يأخذون على الشعب العراقي، ويعيبون على المعارضة العراقية السابقة
تعاونها، او ترحيبها بالتدخل الغربي لإنقاذ بلادهم من صدام، ويصنفون الاحتماء
بالاجنبي واللجوء اليه عمالة وخيانة، اصبحوا يطالبون بنقل المحاكمة الى دولة
غربية.
ألا قاتلكم الله.
ابادات جماعية، وتطهير عرقي وطائفي، وقمع وحشي لم يوفر المدافع والدبابات في
مواجهة المتظاهرين، ولا الاسلحة الكيماوية ضد المدنيين، معتقلات لا تعرف الشمس،
وتعذيب اهونه الاذابة بالأحماض الكيماوية، فيغمى على المعذب عشرات المرات، وهو يرى
لحم يده يتناثر عن عظام كفه واصابعه، اغتيالات واعدامات صورية وميدانية، تهجير
وتشريد وضياع الهوية الوطنية، وارقام تتجاوز ثلاثة ملايين قتيل، يوازيهم ما لم يحص
من الارامل والايتام والثكلى، ومئات المليارات التي أهدرت وأتلفت وضاعت، كان
يمكنها ان تقضي على البطالة والفقر والمشاكل السكانية والصحية والتعليمية، وتجعل
العالم العربي كله في رفاه الخليج، ومستوى سكانه المعيشي.
انهم يمحون كل هذه الجرائم، والفجائع بالخرقة التي يجففون بها عرقهم، او يمسحون
عوراتهم، ويردون هازئين مستكبرين مبررين (وبالتالي مشاركين، فمن رضي من عمل قوم
اشرك فيه): طبيعي، انهم سياسيون وثوار نازعوه ملكه، فكان لا بد له ان يواجه من
يعارضه ويتهدده، ويحافظ على استقرار نظامه وبلاده «ولعمري، كم فعل وحافظ!»، هكذا
بهذه البساطة والوقاحة يمزقون صفحات وسجلات تختزن آهات وصرخات تصك سمع الملكوت.
فإن حاججتهم بلغتهم وبأن «المسخ» خان القضية العربية واضاعها، بل قتلها، عندما حول
مسارها من تحرير فلسطين الى البوابة الشرقية اولا، ثم غزو الكويت الذي كان بوابة
للتدخل، فالوجود الاميركي في المنطقة. ثم القضاء النهائي على المشروع والفكر
القومي، اجابوك اجابة تجعلك تتلو الآية القرآنية الكريمة «وأشربوا في قلوبهم العجل
بكفرهم قل بئسما يأمركم به ايمانكم ان كنتم مؤمنين».
المسألة في جانب منها مصالح واموال تغدق، هذا ما لا يمكن انكاره، ولكنه نصف
الحقيقة، ونصفها الآخر انهم يحبونه، لقد شربوا من المنبع نفسه، فتمكن من قلوبهم،
وهيمن على نفوسهم، فما عادوا يبالون ان يتظاهروا امام الاميركان، ويقفوا في وجه
عشرات ملايين العراقيين من ذوي الضحايا، بل هم على استعداد للموت في عملية
انتحارية تنتقم ممن ازاح صدام، وممن ايد ذلك، وفي هذا يقول علماء النفس والاخلاق،
ويقول الحكماء: ابحث عن السنخية.
إن لكل قاعدة استثناء، ومن كل اصل شواذ.
المهنية التي تلزم بالوضع الحقوقي والقانوني لا تتحقق ولا محل لها هنا، فالجريمة
مشهودة ومستمرة، ومن حق الضحية الدفاع عن نفسه، ودفع ضرر مفسدة عظمى ظهرت بعض
بوادرها بتلميحات عمرو موسى وكشفه عن رغبته وفهمه لآلية المصالحة الوطنية بين
«جميع» العراقيين، آلية تقوم على صيغة توافقية تعيد البعث بوجوه جديدة، وتطلق
«المسخ»، وتفك اغلاله، وتنفيه من الباب ليرجع ويعود من النافذة.
الانسانية التي يطالبون بقيمها ومستلزماتها منتفية هنا، فالمتهم ليس بشرا انسانا
وفقا لجميع المعايير.
وليس حيوانا، حتى تنهض منظمات الرفق بالحيوان، وتدافع عنه، فقد كرم الله الحيوان
عن مثل هذا الوجود الدنيء.
انه «مسخ» مثله مثل من سبقه من الحثالات التي تسلطت على رقاب الناس، امتزجت مياه
الرجال في ارحام النساء، واختلطت تحت رايات حمر، لتنعقد نطفهم، وتخرجهم الى
الوجود، ليؤدوا دور ابيهم الاصلي: الشيطان الرجيم.
حتى رب العدالة وخالق الرحمة الذي بث الانسانية، وبعثها في النفوس، وامر بالعدل
والقضاء وشرعه، قال عز من قائل في امثال صدام: «ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون»...
«خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه». فماذا يفعل
الخصاونة والتكفيريون والاسكتلندي غلاوي والجامعة العربية؟.. انهم يدافعون عن
الشيطان!
www.khalid-alshatti.com