إلاّ آل الصباح
خالد حسين
الشطي القبس 23-1-2006
يختلف الكويتيون في كل شيء ويتنازعون على كل شيء..
يختلفون في انتماءاتهم الدينية المذهبية، وفي اعراقهم والاصول التي ينحدرون منها، وفي مناطقهم وتوزيعهم الجغرافي،
بل في فهمهم للمواطنة والوطنية على ضو ءمختلف المدارس الفكرية: الاسلامية
والقومية والاممية.
ويتنازعون على كل شيء، على حصصهم في مقاعد مجلس الامة،
ونصيبهم من الحقائب الوزارية وفي المناصب والوظائف، وعلى فرص الكسب التجاري والامتيازات التي تمنحها البنوك وتأسيس الشركات واسهمها وعلى المناقصات وقنوات التنفيع
وما الى ذلك.. ويتنازعون حتى على توزيع القسائم الصناعية والشاليهات
والمزارع والجواخير!
واكاد لا استثني حقلا سياسيا أو اجتماعيا او تجاريا أو ثقافيا، الا وتجد فيه
مذاهب وآراء ونظريات متضاربة ومتعاكسة، لا تلبث ان تفرز
فئات وطبقات وجماعات واحزاباً.
في هذا الخضم المتلاطم المتضارب، لا يلتقي الكويتيون على
شيء إلا على آل الصباح.
وهكذا يريد الكويتيون التغيير في كل المجالات طولاً وعرضاً، يريدون تغيير أساليب
العمل وآلية ادارة البلد، من النظام الاقتصادي، الى قضية الحريات الصحفية والنقابية والحزبية، الى الدوائر الانتخابية، الى
المناهج التعليمية.
الا نظام الحكم، يريدونه كما هو ويرفضون المساس به!
إن تمسك الكويتيين بهذا النظام وهذه الاسرة الكريمة
وليد قناعات مازالت الايام
تثبتها وتزيدها رسوخا، قناعة بكفاءة هذه الاسرة وأهلية
رجالاتها الافذاذ، وقناعة بأهمية وسطيتها،
وقدرتها على الموازنة التي تحفظ البلاد وتدرأ عنها الاخطار
والشرور، فليست القضية في سرعة حركة السفينة وبطئها، بل في قدرتها على التوازن
والثبات امام التقلبات والامواج
العاتية.
بالامس فقدنا احد رجالات هذه الاسرة..
ولا أريد هنا أن أكرر ما كتبه الزملاء وسطروه من سجايا الراحل العزيز، ولكني أريد ان أشير الى واحدة من الخصال التي
تجعل الشعب يتمسك بهؤلاء...
رغم ان الفقيد معروف بتدنيه والتزامه الشرعي، تراه في
مقام الاب الراعي لجميع التيارات السياسية والدينية
والمذهبية، والحاكم المسؤول عن تطبيق الدستور وجوهره
الكافل للحريات، وأهمها حرية الفكر والتعبير، تراه يعمل بصلاحياته القانونية
والدستورية ليجبر افراط بعض المؤسسات وتفريط بعضها
الآخر.
فيتدخل لاصدار عفو أميري عن الدكتور احمد البغدادي، وعن
ياسر الحبيب، يبقى الحاكم الذي عليه ان يتجرد من ميوله
وأهوائه، وينطلق من موضوعية تتجاهل قناعاته ورغباته
الشخصية. ويبقى الأب المربي الذي لا يريد لابنائه
المزيد من الضرر والأذى الذي يلحقونه بأنفسهم وأهليهم وبلدهم وسمعتها.
ان مثل هذه المواقف قد تبدو جزئية وصغيرة في حجمها
ودورها.. ولكن الواقع يقرر أنها كبيرة بما تمثله من روحية تتفهم الآخر، وعظيمة بما
تعنيه من تجرد الحاكم وموضوعيته ووسطيته ووقوفه على
مسافة واحدة من الجميع، فهو قريب من العلماني قربه من الاسلامي،
يعطف على الشيعي عطفه على السني، يرعى البدوي رعايته للحضري..
هذه هي المعادلة التي تجعل الكويتيين جميعاً يلتقون عند هذه الاسرة.
لا يسعنا إلا أن نتقدم إليها بخالص العزاء على هذه المصيبة، وان يجعلها الله خاتمة
الاحزان، وكلنا يقين أن في رجالاتها من سيسد الثغرة
ويجبر الكسر، وينهض بالحمل ويقوم المحمل من جديد، ويقيه التقلبات والرياح والامواج العاتية، ويصل به الى بر الامان.
www.khalid-alshatti.com