حتى لا تتدخل أميركا في
شؤوننا
خالد حسين الشطي
9/11/2005
لست من
المؤمنين بنظرية المؤامرة المعقدون الذين يرجعون أي نسمة هواء تهب إلى أصابع
الاستعمار وأيادي أميركا الخفية، وفي المقابل لست أيضاً من المستغفلين الراكنين
إلى ظاهر الأمور والمتعاملين مع الأحداث وتقلباتها بسذاجة... فلا أعتقد أن إسرائيل
هي التي فجرت برجي مركز التجارة في نيويورك كما يؤمن 90% من الشارع العربي (وفق ما
انتهى إليه استبيان أجرته قناة العربية)، ولست كذلك من المصدقين بجولات المصارعة
الحرة، فأنفعل وأتحمس وأتعصب لأحد اللاعبين وأشتم الحكم أو أستنكر مخالفات الخصم،
مما نراه من جمهورها، واللطيف أنهم يطلقون عليها حفلات لا مباريات!
وكأصل، فإن السياسي والقائد والحاكم تسجل له درجات الكفاءة والحنكة، بمقدار ما
يتمكن ويجيد قراءة الحدث، فيفرز الزبد عما يبقى وينفع، يفصل الهرج والدفع الإعلامي
عن الوقائع والحقائق، فلا يهمل ما يجب عليه الاهتمام به، ولا يصرف جهده في جبهة
وهمية.. والمصيبة التي تحل بالحكام وبالتالي ببلادهم، هي انفصالهم عن الواقع،
وعيشهم في نطاق التقارير والقراءات والتحاليل التي يقدمها المستشارون والبطانة
الموثوقة، ومن ثم السقوط في الأخطاء، وبعضها قاتلة.
لم يكن أي سياسي يتردد في تخطئة ما أقدم عليه صدام بغزوه الكويت، أو يتوقف في أنها
حماقة ما بعدها حماقة، لا أقصد من الناحية الإنسانية والأخلاقية، بل وفقاً لمعايير
السياسة وقراءتها وتحليلاتها، كانت حماقة.. ولكن السؤال: كيف وقع مثل هذا الخطأ من
مثل هذا الداهية الخبيث، الذي كان يتمتع بدهاء ومكر مكناه من السيطرة على حزبه
والانقلاب على قيادته وتحويل كل شيء لصالحه، كما استطاع أن يرغم ويسيطر على شعب
ويحكم بلداً مثل العراق، فهو إذاً ليس بهذا الغباء ولا الجهل، كيف خفي عليه أمر
ظاهر بين؟
السؤال نفسه يتكرر حول خطوات غبية وسياسات واضحة الفساد والخطأ تتخذها أنظمهة أخرى
في المنطقة لا شأن لنا بها الآن... ما يهمنا هو ما يجري في بلدنا.
فمما لا شك فيه أن أميركا القوة الأعظم في العالم مستفزة ضد تيار إسلامي معين، وقد
عبأت الدنيا كلها لتظهر جدية لم يسبق لها مثيل في محاربة هذا التيار، وقد وضعت خطة
واستراتيجية، يبدو أيضاً أنها حاسمة في تطبيقها، ومنها «الشرق الأوسط الجديد».
والخطوات الأولى رأيناها جميعاً في العراق، وقد ثبتت لنا بالحس والشهود لا التخمين
والرجم بالغيب، خطوات أرغمت دولاً عظمى مثل فرنسا وروسيا على الرضوخ، والخطوات
الأخيرة التي نراها اليوم في سوريا ولبنان تفيق حتى أهل الكهف من رقدتهم، وتصرخ
بأن هناك مشروعاً خطيراً جاداً قريباً يتهدد المنطقة بآسرها.
أمام هذا الواقع المرعب، ماذا يتهددنا وماذا يمكننا أن نفعل؟
المنطق يقول إن خيار المواجهة والتحدي هو ضرب من الانتحار والضياع، وهو أشبه بدخول
طفل وسط قطيع من الفيلة والعمالقة. إن العقل يدعو لحل وحيد ممكن، هوه قطع دابر أي
ذريعة، أو مقدمات ذريعة ستجر بلادنا وتضعها في موقع جديد في الخارطة القادمة،
الأمور التي ستجر على بلادنا المصير نفسه الذي يتهدد أعداء أميركا ومناوئيها ومنافسيها.
القضية لن تتوقف عند منح المرأة حقوقها السياسية، ولا وضع حد أدنى للأجور وتحديد
ساعات عمل العمالة المنزلية، ولا بتشريع يحمي حقوق الإبداع الفني واتلاف الأقراص
المستنسخة بلا ترخيص، ولن تقف عند تجنيس «البدون»، ولا إيجاد نظام محاسبي شفاف
يقطع دابر الفساد الإداري بمختلف صوره، ولا تنتهي بضبط جمع التبرعات الإسلامية
ومراقبة صرفها، ولا بتغيير المناهج التعليمية، ولا حتى بإنهاء التمييز العنصري
والاضطهاد الطائفي ومنح الأقليات حقوقها.
المطلوب أميركياً وعالمياً شيء آخر إنهم يريدون التيار الإسلامي المتشدد.
ورغم أنهم يعرفون أن في هذا التيار تقليديين علميين، مقابل الجهاديين دعاة
الإرهاب، ويميزون جيداً بين التوجهين، ولكنهم لا يغفلون الجذور الفكرية لهذه
المدرسة، فالتيار كله تكفيري متطرف في آرائه ومعتقداته، تجاه الغرب وتجاه كل «آخر»
لا يحمل فكره ولا يؤمن بمعتقداته. ولا يخفى عليهم أن تحول الفرد من هذه الضفة إلى
الأخرى، لا يعوقه إلا لقاء عابر بشيخ يقلب قناعاته، وأحياناً يكون الأمر رهين رؤيا
يراها الشاب، فيتمنطق بحزام ناسف، ويرحل إلى الحور العين!
لقد غوفل الكويتيون الاوائل، أهل شرق وقبلة، حتى فرض عليهم واقع جديد اخل
بالتركيبة السكانية والاجتماعية، كما غوفل المواطنون جميعا حين باتوا ليلة
1/8/1991 كويتيين واصبحوا يوم 2/8 «عراقيين» وها نحن اليوم نتعامل مع الوجود
الحاكم للتيار الديني المتطرف كأمر واقع، فهو لا يكفيه ان يمارس حريته المطلقة في
افكاره وشعائره وعباداته، بل يريد ان يعممها على المجتمع ويطبع البلاد بطابعه،
فليس من حق غيرهم ان يجاهر بما يرونه يخالف حاكميتهم والظهور الاسلامي «لبلدهم»!.
وما نخشاه ان نتفاجأ بأن يعلن الزرقاوي تأسيس قاعدة الخلافة الاسلامية في الكويت
امتثالا وتنفيذا لتعلميات قائده الظواهري، ومطالبا البيعة لابن لادن. ونطالب بأن
نتكيف ونتعايش مع هذا الواقع الجديد الذي فرض نفسه.
اذا كان هذا مستبعدا (كالغزو الغاشم!) ولم يكن معقولا ومنطقيا في تفكيرنا
وتحليلاتنا السياسية، فهو هاجس عالمي لن تعوقه تحليلاتنا وقراءتنا الركيكة للواقع،
ولن تقف اميركا مكتوفة اليدين تنتظرنا لنفعل اللازم حياله.
علينا أن نبادر بتجفيف وتحجيم هذا التيار الاسلامي في بلادنا، والامر قبل ان يتم
من خلال القمع الامني والضرب بيد من حديد، يكون بالمعالجة الفكرية والسياسية، وهذا
في امكان الدولة ووسعها، وليس عليها ان تخشى شيئا، فللنظام شعبية تفوق وجود هؤلاء،
والمصادمات التي وقعت مع الارهابيين اثبتت هذه الحقيقة.
ان مواجهة نفوذ تيار ديني محدود لا يعني حربا على الاسلام، وتحجيم انشطته التي
تنطلق في جلها من اموال الدولة وامكاناتها ومواقعها، ليس رفضا للدين. ليس هناك ما
تخشاه الحكومة على سمعتها او يمكن ان يستغله هؤلاء في حربهم القادمة ضد الدولة. ان
هذا التباطؤ هو الذي يقوي شوكتهم ويشد عودهم ويجعله عصيا على الحكومة.
علينا ان نعالج الامر ونبادر باعادة التوازن الاجتماعي والسياسي واحقاق الحق وافشاء
العدالة لتعود الكويت الى سابق عهدها البعيد عن التطرف والطائفية... نبادر قبل ان
تصدر قرارات من الامم المتحدة ضدنا، وقبل ان يأتينا ميليس ولارسون، وندخل في
متاهات مازلنا في غنى عنها!
www.khalid-alshatti.com