العراق يخرج على الإجماع العربي!

خالد حسين الشطي                  القبس 16-12-2005

 

من المظاهر المقززة التي تبعث الحيرة والعجب ومن بعدهما الغضب والسخط في عالمنا العربي، اقتران صورة رئيس البلاد بالانتصارات الرياضية، أو بملاعب الكرة ومدرجات المشاهدين والمشجعين. وهي ظاهرة لا توجد إلا في عالمنا العربي المتخلف، فناهيك عن الغرب المتمدن الديموقراطي الحر، فأنا لم ألاحظها في بقية بلاد العالم الثالث، ففي بلاد أفريقيا مثلا لا ترى الجمهور يرفع صورة رئيسه إذا سجل فريقه هدفا، ولا تجد اللاعب الذي يسجل الهدف يركض باتجاه المنصة ليمطرها بقبلاته من بعيد أو ليقف ازاءها بوضعية الاستعداد ويؤدي التحية العسكرية. لا ترى هذا حتى في الصين أو الاتحاد السوفيتي السابق.. لا تراه إلا عندنا.

فالرياضي الذي يسجل هدفا ويحقق نصرا تراه في البلاد المتحضرة يحيي جمهوره أو زملاءه أو مدربه، أو يقبل شعار فريقه أو يتشح بعلم بلاده، ولا تراه يتوجه لرئيس النادي ولا لرئيس الجمهورية، وهكذا الجمهور الرياضي هناك، تراه يشجع فريقه أو لاعبه المفضل، ويرفع شعار، ناديه أو لون فانيلة الفريق أو علم بلاده.. لا صورة رئيس الجمهورية!

وانا أدرك أن هذه الظاهرة في بعض البلاد، ومنها الكويت، ليست سياسة حكومية بقدر ما هي حالة نفاق اجتماعي أو تخلف جماهيري! ولكن هذا لا يسقط مسؤولية الأنظمة والحكومات غير الديموقراطية والتي وان لم تكره الناس على هذه التصرفات والمظاهر الممجوجة، فإنها هي التي زرعت ورعت هذا الغرس حتى نما وأثمر، فخرجت هذه المظاهر بشكل تلقائي لم يخضع لتوجيه مباشر.

بالأمس، سجل العراقيون فتحا في الساحة العربية الرياضية، فتحاً ينذر بخرق وفتق لا يرتق، إذا ما اقتدت بهم بقية الشعوب، فأبت الجماهير أن تستجيب لرجال الأمن والإعلام، ولا فرق كبيرا، فلم يرفعوا صور الرئيس بالضرورة.

لقد امتنعت الجماهير العراقية المتواجدة في قطر لحضور بطولة غرب آسيا واغلبهم جاء من الإمارات ليشجع فريق بلاده، عن رفع صور رئيسهم الزعيم جلال الطالباني، فأعفت نفسها بنفسها - للمرة الأولى في تاريخ هذا الجمهور، من رفع صورة رئيس الجمهورية، وتخلت عن عادة التزمتها في المدرجات لثلاثين عاما متواصلة، وهي ترفع صورا مختلفة: واحدة باللباس العسكري وأخرى بالعربي وثالثة بالبدلة ورابعة بالجراوية والدقلة وخامسة وسادسة وفاتها أن ترفع صورة عاشرة لرئيس الجحور (نشرتها التايم بالسروال)!

قد يكون المظهر بسيطا والحدث عابرا، ولكنه شأن عظيم أن يشعر المواطن بحريته وعزته، فيرفع علم بلده لا صورة رئيس قتل نصف شعبه وحبس النصف الآخر، وان يصفق ويشجع فريق بلده لا فريق رئيسه أو ابن رئيسه عدي، وكم هو رائع أن يشعر الرياضي بالفرق بينه وبين الحصان الذي يملكه اسطبل الرئيس ويراهن عليه في مضمار السباق، فلا يصب جهده وتعبه وعرقه لصالح مجرم بطر، فيركض حتى يتدلى لسانه على صدره، ويصاب بارتجاج في المخ وتتكسر عظامه من عنف الملاعب ويشبع سبا من الجمهور.. حتى يفاخر ذاك المجرم البطر المترف اقرانه من الرؤساء والزعماء والمسؤولين ويبتسم بزهو انه هزمه وغلبهم!.. وكم هو جميل إن صار أخيرا شعب عربي يقرن بشعوب البلاد المتقدمة والدول المتحضرة.

ولم يكن هذا المظهر نتاجا عفويا وإفرازا ساذجا، إن في العراق اليوم حرية حقيقية، حرية سياسية، وحرية إعلامية مطلقة، حرية تجعل القيمة للإنسان وللشعب، وللبلد، والحاكم مجرد موظف وعامل يخدم الشعب، فإذا أحسن وأجاد واخلص، أحبه الشعب وأعجب به وشكره، دون أن يحوله رمزا، لا يلبث أن تنحت له التماثيل وتصور الجداريات.

في العراق اليوم عشرات القنوات الفضائية والصحف والمجلات، أخذها أصحابها وانتزعوها بلا محاباة ولا منة في معاملة إدارية تنظيمية بحتة، لا محل فيها للقرار السياسي أو «السيادي» (ولا السادي!) الشعب العراقي سيد نفسه، ينتخب ممثليه، فيختارون له الحكومة والوزراء ورئيس الجمهورية، فإذا لم يعجبوه أعاد الاختيار وابدلهم بغيرهم!

الإنسان العراقي اليوم يعبر عن رأيه بمنتهى الحرية، لا يمنعه مانع ولا يردعه رادع، إلا من خلق أو دين أو مهنية، فإن لم تكن، كما هي الحال في «الحيوان والوحش العراقي» أي في أنصار الإرهاب من التكفيريين والبعثيين، ترى إن النظام هناك من المدنية والإنسانية، بحيث يحفظ حتى لهذا الحيوان الضاري حقه ولا يحرمه الحرية فينبح ويعوي ليلا ونهارا والحكومة لا شأن لها به!

في العراق اليوم حتى الفئة الإرهابية حرة في التعبير عن رأيها، وهناك فضائيات عراقية وصحف ومجلات تتبنى الإرهاب والقتل، تنشر وتبث من داخل العراق، ولم يسألها احد ثلث الثلاثة كم؟ الآشوريون والكلدان وفئات لا يبلغ حجمها 1% من مجموع السكان، لهم وسائل إعلام تعبر عن عقائدهم وأفكارهم، وتعكس همومهم وآلامهم، ويستطيعون ان يردوا فيها على من يفتري عليهم ويكذب، ولديهم الفرصة في الدفاع عن أنفسهم لدحض الافتراءات والتضليل الإعلامي الذي قد تمارسه فئات ووسائل إعلام أخرى ضدهم.

في العراق اليوم لا استئثار في السلطة الرابعة وامتيازات الصحف والمنابر الإعلامية. في العراق لا تحتكر عوائل ومذاهب وأحزاب حق التعبير، فتقرر من يكتب، وفي أي حدود، ومتى يسكت، فيمتنع أو يمنع، ولا يحدد احد للناس ما يجوز لهم أن يقرأوا وما لا يجوز. لأنهم في العراق لا يعتبرون الشعب سفيها أو قاصرا يحتاج إلى ولاية، ولا يعدون البلد وقفا على فئة فيحتاج ناظرا، ولا شركة تجارية أو استثمارية يملكها رئيس مجلس الإدارة، ويتصرف فيها العضو المنتدب!

في العراق اليوم يتكلم كل حزب وكل طائفة وكل مذهب وكل تيار وكل إنسان وكل «حيوان»! ويمارس نشاطه الإعلامي بمنتهى الحرية، لا تمنعه أقلية ولا تضطهده أكثرية، لا تحظر عليه سياسة ولا تحجر عليه أهواء ونوازع فئوية، لا يعوقه انتماء طبقي أو توجه ثقافي أو فكر عقائدي أو ديني أو مذهبي، ولا يثنيه تمييز يخضع لتلك المعطيات.

في العراق اليوم لا توجد وزارة إعلام، ولا توجد إذاعة ولا تلفزيون رسمي.. لكل هذا وذاك، لم يرفع الجمهور العراقي صورة الطالباني عندما هزم الفريق السوري وتقلد الميدالية الذهبية.

هكذا خرج العراق على الإجماع العربي!