أسبوعان على القيم والرسالة الأميركية الـجديدة
خالد حسين الشطي القبس 26-12-2005
لكل
امة متحضرة قيم خلقتها ومبادئ انطلقت منها واخلاق
تحكمها، ثم هناك رسالة توجهها وتريد لها ان تعم البشرية
وتحكم حياة الانسان. وتجد ذلك ينعكس في سمات ومعالم
تميزها عن بقية الامم والحضارات. وتسمو الامم وترقى فتعظم، فتجتذب غيرها الى
نهجها وتعمم قيمها ومبادئها، او تنحدر فتهوي وتسقط،
ويفر حتى اهلها منها.
لست ادري هل ان الولايات المتحدة الاميركية
تشكل حضارة قائمة بذاتها، ام
هي امتداد للحضارة الغربية؟ هل طعون الاوروبيين وغمزهم
بان اميركا ليست حضارة، لا لانها
تفتقر الى العراقة والجذر الذي يربطها بالدورات
الحضارية المتصلة للبشرية فحسب، بل لان الامة الاميركية تفتقر الى الفن والجمال
(ناهيك عن روحانية الشرق!)، وان اوجدت حضارة فهي حضارة
الآلة لا الانسان. فليس هناك موسيقار اميركي مثل بتهوفن او باخ ولا رسام
مثل دافنشي او انغلو ولا نحات مثل بوشاردون او نيكولا كوستو،
ولا فيلسوف مثل كانط او هيوم ولا شاعر مثل الكسندر بوب او طومسون ولا أديب كشكسبير! حتى
الفن السابع الذي ابدعوا فيه وتفوقوا، انما تفوقت فيه التكنولوجيا، لا
الفنون الجميلة.. هل هذا الطعن وارد ام لا؟
ويقال ان اميركا لا رسالة
لها.. ما الامر في تعاملها مع بقية الامم
الا محض المصالح والحاجات، لذا فالسياسة الخارجية لهذه الامة العظيمة هي مجرد ردود افعال
عشوائية، لا تخضع لاستراتيجية ثابتة عميقة مرتكزة على قيم ومبادئ وخطاب انساني توجهه للبشرية، بل هي حالة فوضوية (على طريقة الكاوبوي)، كل همها تأمين حاجاتها الخاصة.. حتى قالوا انه لمن
المضحك ان ينتظر البعض دورا وموقفا اميركيا
في معالجة قضية انبعاث الغازات وارتفاع حرارة الارض!.
فاذا ارادوا ان يتواصلوا مع الشعوب ويخلقوا جسورا ثقافية للتحاور والتعارف
والتقارب، تجدهم ينشئون قناة الحرة التي كانت (في بداية تأسيسها) تقدم للمشاهد
العربي خدمة يحسبونه متهالكا عليها، فينقلون اليه اخر اخبار مباريات البيسبول والهوكي وكرة السلة، وتقتطع القناة برامجها في خبر
عاجل عن استجواب مجلس الشيوخ لمسؤول في وزارة المالية،
ضمن معركة داخلية بين الجمهوريين والديموقراطيين! او
تجدهم يؤسسون راديو «سوا» لتتأكد التهمة عليهم بالخواء!.
هذا ما كان يقال، وذاك ما كان بالفعل حتى الامس القريب،
ولكن هل اميركا اليوم هي اميركا
الامس؟
ان «الجديد» الذي بدأ يظهر في اداء
اميركا مؤخرا، والتحول الذي يعكس نضجا وعمقا
واستراتيجية تذكرك باداء الاستعمارالانكليزي
والهولندي والاسباني والبرتغالي على صعيد العمق
التخطيطي والسياسة المنبثقة عن خبرة ودراية، ولكن بنمط جديد وآلية متطورة، ثم سعي اميركا لتصدير ثقافتها لبلاد المنطقة، هذا التغيير والتحول
يشيران الى ان اميركا في طريقها لتصبح دولة عظمى حقيقة «ترعى» العالم
وتقوده، تقوده باخلاق ومن اجل مبادئ وقيم، لا بتكتيكات
وصفقات سياسية في سبيل مجرد مصالح ذاتية عارضة.
فلم يعد المهم لدى اميركا ان
تستنزف خيرات التشيلي وتنعم الشركات الاميركية بامتيازاتها وعقودها، وان كان ذلك على حساب ان يحكمها دكتاتور مثل بينوشيه،
ولم تعد اولوية ان ترضي
شركاءها الاوروبيين الغربيين على حساب اوروبا الشرقية التي حررتها من الشيوعية، ولا ان ترضيهم كلهم مجتمعين على حساب البوسنة والهرسك وتركيا!
واذا منح الانكليز لليهود
وعدا بتأسيس اسرائيل، فان اميركا
اليوم تؤسس للفلسطينيين دولة: واذا اسس
الانكليز الجمهورية العراقية ونصبوا ملك الحجاز على
الرافدين، فان الاميركان اليوم يسقطون تلك الدولة
ويفككونها حتى لا تصلح للبيع في السكراب والخردة! واذا جاءت الـ «سي. اي. ايه» بصدام والبعث ليسقط الحكم
العارفي المتقرب من السوفيت، فان اميركا
اليوم تسقطه، بل اذا كان بوش الاب
سمح ببقائه وانقذه من انتفاضة الشعب العراقي بعد تحرير
الكويت، فان اميركا اليوم تكفر عن ذنبها وتعيد الحق الى اهله. واذا
صنع الانكليز «الوهابية» فان اميركا
اليوم تحاربها وتقضي على شرها وتقتلعه من جذوره.
اميركا اليوم تريد ان تنشر
حضارتها من خلال ثقافتها، وتريد ان يعم «خيرها» فتؤسس لانظمة حكم ترتكز على محوري: الديموقراطية التي تقطع دابر تسلط الانظمة الشمولية
القمعية، وتعيد حقوق الانسان وتحفظ الحريات، وتمنع
اضطهاد الاقليات، ثم الشفافية الادارية
التي تقطع دابر السرقة والفساد والمحسوبية
والبيروقراطية.
هذا ما يقال في مقابل الرأي الاول.. ونحن اليوم امام اختبار حقيقي في مصداقية اميركا،
هو المحك العراقي.
هل ستنصاع اميركا للارهابيين
وتنهزم امام ارادة
الدكتاتوريين، ام تمضي في مسيرة الديموقراطية؟ هل
ستتحايل على نفسها وتنقلب على ثقافتها وتحرق بضاعتها، فتتعامل مع الديموقراطية
بالغش والتدليس والظاهر الكاذب، كما تفعل معظم الانظمة
العربية، فيسقط كل شيء، ام تصر على المبدأ وان جاء بما
لا تشتهيه سفينة مصالحها الآنية؟
هناك معلومات موثقة ومؤكدة، وباتت متسالمة في جميع
الأوساط، ان قائمة الائتلاف العراقي الموحد بزعامة
السيد الحكيم قد اكتسحت نتائج الانتخابات العراقية، وانها
ستسيطر بأغلبية مريحة على مجلس النواب القادم.
هذه هي الديموقراطية، هكذا فازت الأكثرية، رغم الالتفافات العجيبة والغريبة التي
جاءوا بها ووضعوها (مستلهمين من النموذج الايطالي، كما
يقال) في سبيل ان لا يحدث ما حدث، ولكنه حدث، لسببين:
الأول ان النسبة التي قدروها لم تكن دقيقة تماما،
فالأكثرية «أكثر» حتى مما حسبوا، ثم لحجم الظلامة
والاضطهاد الذي يدفع للالتفاف حول المناضلين والمجاهدين الذين تصدوا للدكتاتورية،
والثقة بالقيادة التي خرجت منهم، وعهدوا فيها الأمانة والصدق والوفاء.
وبعد، فالسيد الحكيم وكل الإسلاميين المؤتلفين في العراق اليوم تحت راية المرجعية
هم غاية في الاعتدال والوسطية والنهج المحافظ، وهي منظومة لم تكن أميركا تحلم بأن
تواجهها، وتنعم بحنكتها وكياستها وورعها عن الخوض في الدماء والمواجهات العنيفة:
ذلك بعد عهود من الضربات القاسية التي تلقتها على يد مجاهدي الثورة الإسلامية
والإمام الخميني، وأخرى لا تزال تتلقاها على أيدي الارهابيين
والتكفيريين.
هل ستسمح أميركا بتثبيت النتيجة الحقيقية؟ هل ستنزل عند
رغبة الشارع العراقي ولا تمتثل لإرادته (كما فعلت في تركيا مثلا)؟ بل هل ستحترم
مشروعها وثقافتها، وتمضي في خطتها للشرق الأوسط الجديد، أم ان
فترة «الاسبوعين» التي افترضت المفوضية العليا الراعية
للعملية الانتخابية انها تحتاجها لإعلان النتائج، كفيلة
بالعبث والدس والتزييف، ليعود العراق كما كان، وتنام الأنظمة الدكتاتورية قريرة
العين من جديد، فهذا القادم هو من جنسها وعلى شاكلتها السافلة.. وتسخط الشعوب
وتكفر، وتستذكر «الشيطان الأكبر» تارة أخرى؟
لقد صبرت هذي الجموع على قتل عشرات الآلاف منها، امتنعت عن الرد وعن أي خطوة تزيد
في الفوضى وتنال من مسيرة الاستقرار، وواكبت خطوات تأسيس الدولة بمزيد من الصبر
والتضحية والتسامح والتنازل عن حقها في جميع المقاطع، مراهنة ومحتكمة للعملية
الديموقراطية التي كانت واثقة بأنها ستنصفها، وتعيد اليها
حقها الذي ضاع في مجلس الحكم وفي الحكومات المؤقتة، متمسكة بمشروع مدني (لا دولة
دينية) يحفظ التعددية الطائفية والعرقية، وملتزمة بإرساء القانون والمؤسسات وكل ما
من شأنه خلق دولة مدنية جديدة بعيدة عن الدكتاتورية والظلم والفساد.. صبرت ولم
تنجر للعنف.
فهل تلتقي أميركا مرة أخرى مع الزرقاوي والبعثيين، وتدعم الفاسدين والمنبوذين، أم انها قررت أن تكون حضارة ورسالة حقا؟ هذا ما سيتبين بعد اسبوعين.