أين استشهد الحكيم ؟

    إيه يا علي ... يا صنو النبي وصهره ، يا أول القوم إسلاما وأسبقهم إيمانا ، وأعلمهم بكتاب الله ، تفسيره وتأويله ، وأقضاهم وأفقههم ، وأشجعهم ، وأحبهم إلى الله ورسوله ...

أبيت الا ان تصاحبك العظمة ، وتأسر القلوب من جليل قدرك ورفيع شأنك وعجيب أمرك وسيرتك ، فإن كان الله تعالى يرى أخاك النبي الأعظم حين يقوم ، ويرقبه وهو يتقلب في الساجدين ، فقد شخصنا اليك بأبصارنا ، وهامت قلوبنا وهي ترغب تقلبك في رياض القدس وتنقلك في سبوحات المجد ماشاء الله سبحانه وتعالى ، حتى حارت فيك العقول وتاهت الحلوم .

من الميلاد إلى المصرع ، من الكعبة إلى المحراب ... فالمرقد .

من رحاب الميلاد : تلكم فاطمة بنت أسد ، أمّت البيت بكرب وكمد ، ودعت خالقها الباري الصمد ، بحشا فيه من الوجد والضرام ، قد علته قبسات اللهب ، وبينما كانت تناجي ربها ، والى الرحمن تشكو كربها ، واذا بالبشر غشى قلبها ، من جدار البيت إذ لاح ابتسام ، عن سنا ثغر له ذي شنب ! انشق جدار البيت ودخلت الهاشمية ، وارتد الجدار وعاد مثلما كان ، وفي اليوم الثالث خرجت وعلى يديها (( حيدره )) .

تولد يا مولاي في بيت الإله ، ثم تبلغ ما تبلغ من المقام في مرتبته ، حتى يصدح جبريل بين السماء والأرض في ( أحد ) باسمك وبمجد سيفك ، وتقلع بابا ( خيبر ) يعجز عن هزها أربعون رجلا ، وتطوي الأرض ، وترد الشمس ، وتخرق الحجب  فتكون بطرق السماوات أعلم من طرق الأرض ...

حتى جنح قوم وغلو وعبدوك من دون الله فكفروا ! وقال الشاعر :

ضل أقوام فضنوا أنه حقا اله أم جنون العشق هذا لا يجازى ! لست أدري !

وضل آخرون وناصبوك العداء ... ما طاقت قلوبهم المظلمة هذا النور ، ولا سعت صدورهم الحرجة هذه العظمة المتدفقة ، فحسدوك وأبغضوك ، فكفروا ، أم هي لعنة ورثوها من أرحام الأمهات ؟ لست أدري !

لقد أصروا على كفرهم وأوغلوا في غيهم ، حتى قتلوك ليطفؤا نور الله ، وينال من منزلة أنزل الله فيها عليا ... فلا زال يتقلب في رياض القدس حتى حل ، بعد المحراب ، في الغري ، وغدى له مدفن .

الغري ، النجف ، ظهر الكوفة ، وادي السلام ... معانيك شتى وحسنك واحد ، وكل الى ذلك الجمال يشير ، الى مثوى الأنبياء والأوصياء ، السلام عليك يا أمير المؤمنين وعلى ضجيعيك آدم ونوح وجاريك هود وصالح ، النجف الاشرف ، بقعة القدس التي حوت جثمان وارث الأنبياء والمرسلين ، خليفة رسول رب العالمين ، أسد الله الغالب ، غالب كل غالب ، مظهر العجائب ، علي بن أبي طالب ، فحق أن ينشد ابن أبي حديد المعتزلي :

يا برق ان جئت الغري فقل له .. أتراك تعلم من بأرضك مودع ؟

فيك بن عمران الكليم وبعده .. عيسى يقفيه وأحمد يتبع

بل فيك جبريل وميكال واسـ .. ــرافيل والملأ المقدس أجمع

بل فيك نور الله جل جلاله .. لذوي البصائر يستشف ويلمع

ان المصيبة في فقد السيد محمد باقر الحكيم مصيبة كبرى ، وثلمة لا يسدها شيء ، والضرر الذي اصاب الاسلام والمسلمين خصوصا في العراق والكويت أمر لا ينكر ... ولكن الخطب الجلل والفاجعة العظمى والرزية كل الرزية ، أن يهتك هذا الحرم المصون !

لقد ضربت الكعبة بالمنجنيق ، وأحرقت أستارها ، وسرق الحجر الأسود وغيب عن الركن سنين متمادية ، لا يجد الحجاج ما يستلمونه ! ولكن حقيقتها لم تهتك ولم تخف ، وكانت متجلية ومحفوظة في (( البيت المعمور )) ، كما هو قدس الغري ، الروضة الحيدرية ، مرقد أمير المؤمنين ، وسائر العتبات العاليات لمشاهد أبنائه والأئمة عليهم السلام ...

لا ينال من هذا المقام الأرفع أقزام مثل الطاغوت صدام أو حاقد من المتحالفين معه ...

بقلوب يعتصرها الألم وتكويها اللوعة ، وان ارادوا هذا ، فقد أشفوا - لعمري - غليلهم ! نسقبل هذا العام الثالث عشر من رجب ( الحرام ) ذكرى ميلاد أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد صرع في غرته ، سليل السبط الأكبر الحسن المجتبى عليه السلام من آل طباطبا ، ومعه ثلة من المؤمنين المصلين الزائرين .

ولكننا لسنا ممن يمر على مثل هذه الفجائع بمجرد اللوعة والأسى ، فالى جانب الرثاء والبكاء والندبه ، نستلهم الدروس والعبر ، وأول ما خرجنا به ، انها كانت رسالة .

لقد تلقينا رسالتهم بحذافيرها ، بكل أبعادها ومضامينها ، رسالة تقول لنا :

نحن نكرهكم ونبغضكم ، نكره أطفالكم وشيوخكم ، نكره رجالكم ونسائكم ، نكره صلاتكم وعبادتكم ، نكره جمعتكم وجماعتكم ، نكره علمائكم وعوامكم ، نكره الثوريين من علمائكم وغير الثوريين ، السياسيين وغير السياسيين ، نكره من يقاتل معنا لتحرير القدس ، ومن يقف مع الأمريكان لتحرير ( أو لاحتلال ) العراق ، نكره المعتدلين منكم ونكره المتشددين ، نكره دعاة الوحدة والتقريب ، ونكره الطائفيين !

نكره امامكم ، نكره حرمه وزواره ، نكره الملائكة المحدقين بتلك البقعة ، نكره الأرواح التي تحوم في تلك الرحاب ، نكره قبوركم ، نكره موتاكم ، نكره أحيائكم !

هذه كانت الرسالة ! فهؤلاء جميعا يزورون النجف الأشرف ، ويلوذون بذلك القبر الشريف ، ولم تكتب الرسالة على مظروفها عنوان غير هذا : حرم علي ، وأكبر عدد من زواره !

ولا يختلطن الأمر على أحد ، فالمرسل ليس من اخواننا السنة ، ففي هؤلاء من يزور مرقد أمير المؤمنين ويتوسل به ويتمسح بضريحه المبارك ، ولا يخطر في فكره لحظة بغض علي أو شيعته وزواره ... ولعل من زوار تلك الروضة من ضحايا الانفجار اخوانا لنا من أهل السنة ، هؤلاء أيضا مغضوب عليهم ومكروهون !

في مطلع الألفية الثالثة ، وعلى أعتاب العولمة ، وعلى ضفاف دعاوى التعددية وحوار الحضارات ، وفي جذوة نداءات الوحدة والتآخي ، والحب والسلام ، وفي غمرة مساعي احياء القيم الانسانية والاخلاقية ، ومشتركات الأديان جميعا ...

جاء الانفجار ، فتفجرت الدماء ، وطارت الأعضاء ، وتناثرت الأشلاء ، واختلطت بركام البناء المقدس ، ولبنات عجنت بماء عشق آل محمد ... وأدميت ملايين القلوب المتعلقة بتلك البقعة الملكوتية !

ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم .