الإصلاح .. طريقنا إلى الحرية والإستقلال

القبس 24 - 8 - 2005

الإصلاح كلمة رنانة ومفهوم حضاري دخل في ذهنية جميع شعوب العالم الثالث، وبدأ العديد من النخب والمثقفين يعزف على وتيرتها، فأقيمت المحاضرات، وعقدت الندوات، وألفت الكتب في معانيها وطرقها ووسائلها، ودفع منظرو الإصلاح في بعض البلاد وقتهم وجهدهم، بل حتى حريتهم ودماءهم وأرواحهم على مذبح الإصلاحات.

وازاء بروز النظام الدولي الجديد وتيار العولمة وثورة الاتصالات كاد العالم يكون أشبه بالقرية الصغيرة على جميع المستويات وكافة الأصعدة، فقبل أيام سمعنا عن صنع طائرة مدنية تحمل أكثر من ثمانمائة راكب! اي انها تنقل سكان قرية كاملة مع كل أمتعتهم من قريتهم إلى أبعد نقطة في العالم خلال عدة ساعات.

وبالمقابل، خرجت علينا في الآونة الأخيرة أصوات عالية مقاومة للإصلاح، ولكنها لبست ثوبه، وفي حقيقة الأمر لا تطرح الا اسمه ولا تقبل حتى برسمه! ناهيك عن أدواته وخطواته.

فرددوا مقولة اننا نريد الإصلاح من الداخل ولا نقبل ان يأتينا من الخارج، فمن ينادي بالإصلاح فهو عميل للخارج، وان الإنسان الوطني يجب ان يدعو الى الإصلاح الداخلي!

ولا يسعني الا ان أقول ان الإصلاح هو الإصلاح.. ومنذ البدء يجب ان نكون صادقين مع أنفسنا هل نريد الاصلاح أم لا؟ اما مقولة الداخل والخارج فهي خلط للحقائق وإلباس الحق ثوب الباطل، فبصراحة ووضوح ودون هروب من الواقع أو التفاف على الحقائق، نحن ماذا نملك من قدرة وامكانات واستعدادات ومواهب وخبرات؟.. نحن لم يتبق لنا شيء سوى ديننا العزيز على المستوى العبادي فقط، ان صح التعبير، فالتخلف الحضاري والصناعي والسياسي والاقتصادي يحيط بنا احاطة السوار بالمعصم، واذا كنا نملك فتاتا من ذلك، فإنه من أفضال الحضارة الغربية علينا، وكل معاند لتلك الحقيقة لا حظّ له من الحياد والموضوعية ونقد الذات.

والذي يطرح الحق الحصري للإصلاح من الداخل فهو اما ساذج أو مخادع، فالمشكلة لدينا جميعا ان كل الأحزاب والتيارات والتكتلات الإسلامية والشيوعية والقومية والوطنية وغيرها تدعي استحواذها على الحقيقة المطلقة، فكل منها يدعي امتلاك الحقيقة ويرفض الآخر، فلا يوجد الا مشروعه.. وكل المشاريع الأخرى على باطل وضلال، فبالله عليكم من أين يأتي الإصلاح؟ ومن أين يبدأ في ظل تلك العقليات المتحجرة؟

أما المخادعون ـ وما أكثرهم ـ فإنهم يخشون الإصلاح ولا يقبلونه الا على طريقتهم فيؤكدون على الوحدة الوطنية ويحملون المعول لهدمها، وينادون بتكافؤ الفرص ويمارسون الواسطة والمحسوبية، ويدعون الى نبذ الطائفية لكنهم منغمسون فيها إلى أبعد الحدود، ويطالبون بالديموقراطية والتعددية وهم على الدكتاتورية يتوكلون، ويعقدون أطول المؤتمرات في أضخم الفنادق لنبذ التطرف وهم النواة الأولى للإرهاب وحماة للأفكار الارهابية، يتباكون على اطلاق الحريات العقائدية والتسامح بين المذاهب ويتلذذون بتكفير اخوانهم في الدين والعقيدة والمواطنة، يأمرون بالعدل والميزان ويحكمون بالظلم والعدوان.

هذا هو حال البعض في عالمنا العربي والإسلامي، فالرغبة الحقيقية للشعوب التي تنشد الإصلاح هي الحرية والاستقلال، وبالقدر نفسه الذي أخاف فيه من التدخل الخارجي، فإنني ـ في الوقت ذاته ـ أتألم من الاستبداد والاحتكار والقمع المذهبي لابناء الوطن الواحد، واطلق صافرة الانذار الى كل المسؤولين الذين يسوقون الناس بالقوة نحو اختيار احد الطريقين «الحرية أو الاستقلال»، فإن ذلك يدفع البعض ممن لا يمتلك التجربة ويفقد الصبر، الى التفريط باستقلال بلادهم مقابل الديموقراطية والحرية التي تهديها لهم أميركا.

واذا ما حدث ذلك في اي دولة عربية أو اسلامية، لا سمح الله، فإن هؤلاء المسؤولين سيكونون المذنبين الأساسيين والجناة الحقيقيين في هذه الفاجعة الوطنية، والقلق الشديد ينتابني من ان يعمد التيار الرافض للاصلاحات الى ايصال بلادهم الى نقطة ووضع لا ينفع معه الإصلاح، من خلال الاستمرار باتباع السياسات التكفيرية والأساليب القمعية.

أما عن حظنا نحن من الاصلاحات في الكويت، فإن أفضل من يقودها هي الأسرة الحاكمة التي يلتف حولها الجميع من خلال إصلاح حقيقي، ومنهج شفاف يتناول كل الاصعدة السياسية والاقتصادية والقضائية والاجتماعية لتوسيع مساحة الحرية واقامة المساواة واشاعة الديموقراطية وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص.