أخطر جرائم صدام (1) القبلية

الوطن 18 - 6 - 2005

لعل التعبير بأشنع وافظع وما الى ذلك انسب وابلغ في بيان هول الجريمة... ولكن الحديث ليس عن شنّ الحروب وقصف المدن وغزو الجيران وتدمير الآبار، ولا عن القبور الجماعية والابادة العرقية واستخدام الاسلحة الكيماوية وتصفية المعارضين وتهجير المواطنين واغتيال رجال الدين... بل هو عن جريمة قد تخفى - في هذه الزحمة وامام الظهور الفاضح والمهول للجرائم الاخرى - وتغيب عن كثيرين، ذلك لقدرتها في اخفاء نفسها والاستتار خلف ذلك الدخان الكثيف!
انها العودة بالعراق الى العهود البدائية والعصر الجاهلي..
فالبشرية طوت منذ امد التسلسل الطبيعي لتكوين المجتمعات والدول: من جماعات البدو الرحل، الى التجمعات البدائية حول منابع الماء واسباب الزراعة فتكونت البيئة الريفية والقروية، والاستقرار الجزئي عبر الاستغناء عن الرعي بالتعليف، وعن الهجرة والرحيل بحثا عن الماء بحفر الابار وشق القنوات وبناء الخزانات... وهكذا حتى ظهر ت الصناعة وتطورت وسائل النقل فتكونت المدن والحواضر. ومع كل مرحلة من هذه المراحل، كان الانسان يكتسب شيئا من المعارف والاداب وانماط السلوك، ويتخلى عن اشياء .
هكذا بنيت المدينة، وفي هذا الطريق تتسابق الامم لتزدهر وتكون حضارتها...
ومما يسقط اثناء السير المرحلي للمدنية والحضارة هو النزعة القومية والنظرة العرقية، من خلال سقوط اسبابها ودواعيها. فالتخالط والعشرة والجوار والتعاون، وضرورة الآخر، للحاجات المتبادلة بين الناس، وما الى ذلك من مظاهر الحياة المدنية، كوّن جملة من القيم وتراجع بأخرى.. فلم يعد المدني يعبأ ولا يهتم للقبيلة التي انحدر منها، ولا العشيرة والفخذ الذي ينتسب اليه، فليست هي التي تمنعه من الاخرين، ولا هي التي تمكنه من حقوقه وتفسح له المزيد من المكاسب، ففي الحياة المدنية هناك شريعة وقانون وهناك نظام.
هكذا وعلى هذا الطريق نشأت المدنية في العراق، وكان الرواد الاوائل للنهضة في العراق يسعون الى تمدن المواطن العراقي في فكره وسلوكه وقيمه، وان عاش الريف والبادية.. وقفزوا في تشريعاتهم على القيم القبلية وتجاوزوها.، وللامر مظاهره التي انعكست على الملبس والمأكل والعادات والاعراف. وكان السعي لقفزة على صعيد القيم ونمط التفكير تواكب هذه المظاهر وتنتقل بالفكر و الذهنية البدوية او البدائية الى العقلية المدنية المركبة والحديثة.
ان الخطوة الاولى هي تكوين هيكل عام لبناء الدولة الحديثة يليها الانتقال بهذه الدولة الى الدولة المتقدمة، حيث تترسخ القيم المدنية وتتكامل وتتهيأ اسباب التطور، فتنشأ دولة المؤسسات والقانون التي تكفل الحرية والعدالة والمساواة، ،وبعد النضج التام وطي هذه المرحلة، تدخل البلاد في ركب التطور العلمي المدروس وتتنامى اسباب الرقي الصناعي والفني وما الى ذلك حتى تصبح دولة عظمى تفرز للبشرية حضارة.
من هنا، ما كانت ادبيات حزب البعث لتأتي الا وهي تحمل، ولعلها تتمحور، حول هذا المرتكز، وانطلقت وهي تريد ان تبني الدولة الحديثة لتعبر عن القيم القبلية والمعايير العشائرية والذهنية البدوية بالرجعية، وهي حين تنادي بالتقدمية الاجتماعية، انما تنظر هذا الجانب وتعالجه، الى درجة بلغت منع تداول الالقاب وحظرت على الحزبي ان ينتسب الى عشيرته! فكان الرفيق يذكر باسمه واسم ابيه، وان صادف وجود آخر يحمل نفس الاسم، يضاف اسم الجد او كنية تميزه،. فيقال ابو نضال وابو كفاح وطه ياسين وعزت ابراهيم وعلي حسن، ولا يقال الدوري او المجيد او التكريتي او الموصلي او السامرائي، ولا الجبوري او الدليمي او الجنابي...
حتى تولى صدام السلطة.
حين وجد ان ما يتطلع اليه من سلطة مطلقة وحكم شمولي، لا يكون الا بالتنكر لكل قيم المدنية والحضارة، والعودة بالمجتمع الى البداوة بكل ما تعنية من معان تسحق شرعة حقوق الانسان، وترجع لعهود الغارات وقطع الطرق والسلب والنهب، وسقوط قيم العلم والفضيلة والاخلاق والحب والسلام وعودة الرق ووأد البنات والحمية الجاهلية..
وبذرائع لا تنتهي اخذ يلاحق الاشراف والعوائل والبيوتات المدنية وصار البغدادي الذي استوطن اجداده من مئات السنين هذه المدينة يطالب بالانتساب الى احدى العشائر والقبائل، والا فهذا يعني انه تركي الاصل او فارسي او كردي او...؟
وسرى ذلك لبقية المدن العراقية الموغلة في التمدن والتحضر، كالبصرة والنجف وكربلاء والموصل وغيرها. واصبح السؤال الذي يصطدم به عالم الدين او الدكتور والمثقف وكل اكاديمي انحدر من ارقى البيوتات: ياهو عمامك؟
في الوقت الذي بلغ فيه الغرب قمم العلم والتقنية والرخاء الاقتصادي والامن الغذائي والصحي، وحقق انجازات علمية وفنية وحضارية ما زالت البشرية في دهشة مستمرة منها.. عاد صدام بالمواطن العراقي ليجلسه على قارعة طريق تخلو من المجاري الصحية، تجمعت فيها المياه الآسنة، فصنعت بحيرات تدوّي فيها اسراب الذباب ويرتع البعوض، وهو يناقش صاحبه في اصول بني لام واجداد الشريفات والصلة بين شمر والبو محمد، وعن الطبيب البيطري الذي انقذ دابته من النفوق: من اي العرب هو؟ ام ترى المسكين مدنيا لا اصل له رغم اريحيته وجميل صفاته وعظيم دوره؟
لقد نبذها رسول الله صلى الله عليه وآله حين اراد ان يبني حضارة، فجمع صهيب الرومي وسلمان الفارسي وبلال الحبشي، وثلة من العرب آلى عليهم ان يتناسوا قبليتهم ويسموا فوق حميّتهم الجاهلية، وشرط ان يهاجروا اليه، وحرم عليهم (التعرّب بعد الهجرة) ليبقيهم ويلزمهم بالحياة المدنية. ولم تبن الحضارة الاسلامية بالفعل الا حين تمدن العرب، وتخلوا عن بداوتهم وكل ما يلتصق بها من موانع الحياة المدنية. ودخل فيها الفرس والترك والديلم والمغول والبربر، فكان البيروني والرازي والطوسي وجابر بن حيان والفرابي وابن سينا والدميري والقزويني وابن البيطار والانطاكي.. وجيش خلق من الكتب لا من السيوف، ومن الابحاث لا من التفجيرات، ومن المختبرات والاكتشافات لا من المعتقلات والسجون، خلق حضارة ما زال الغرب يذعن بأنه مدين لها فيما بلغه اليوم من تطور ورقي.
لقد قطع صدام السير التقدمي للمدنية والحضارة في العراق، واتى على قواعد الدولة المدنية الحديثة، وعاد بها جاهلية جهلاء.. ليس على صعيد البناء والعمران فحسب، بل الاهم انه دمر الانسان العراقي حين اضطهده، وازرى به وهو ينتزعه من مدنيته السباقة في العالم العربي، ويلقيه في دوامة: يا هو عمامك؟
هذا اخطر ما فعله، ولا يناهزه الا جريمته في جر البلاد الى العنف الطائفي، ونجاحه في جر حلفائه من التيار التكفيري الى نفس المنطق واللغة، وهذا ما سيأتيك في الحلقة التالية.