لماذا لا يتوقف في العراق ما توقف في فلسطين؟!

الوطن 4 - 7 - 2005

في حين تشهد الساحة الفلسطينية كثيرا من الهدوء والاستقرار، ويتنفس المواطن المغلوب على أمره الصعداء، وقد عاد الفلاح الى حقله والعامل الى مصنعه، والطالب الى مدرسته، وصار المريض يتلقى ما يحتاجه من علاج في المستشفى، وانحدرت نسبة الاذلال على الحواجز الاسرائيلية الى ادنى درجاتها.. إثر اقدام فصائل المقاومة الاسلامية المسلحة هناك على وقف عملياتها الجهادية، وتوقف ما كان يستتبعها من اجراءات اسرائيلية ما كانت تكتفي بالرد، بل غالبا ما تصل الى التعسف.
مازال المواطن العراقي يعاني من التدمير المنظم للكهرباء، والاتلاف المستقصد لأنابيب النفط وامدادات المحروقات، والشلل شبه التام في الخدمات المدنية والصحية والتعليمية وقبل كل ذلك الفلتان الأمني الذي يتهدد كل رجل وامرأة وطفل وطالب ومصل وعابر سبيل وبائع خضار وماسح أحذية، بسيارة مفخخة تقلبه اشلاء؟!
بينما توالى الأنباء عن هدنة وتفاهم اوقف العمليات الجهادية، الانتحارية وغير الانتحارية، في فلسطين، وانباء عن لقاءات بين ممثلي فصائل المقاومة المسلحة ورجالات السلطة، او دوائر المخابرات المصرية، ومندوبين من المفوضية الاوروبية وحتى مفاوضين اسرائيليين.. نجد ان الجهاديين في العراق ماضون في تشددهم بافراط لم يسمح حتى بتقديم مشروع يفلسف لهذا الاداء الاسطوري في الموت والتخريب، ولا بظهور واجهة سياسية تعرض رؤاهم للخروج من الوضع التدميري المفجع الذي ساقوا البلاد إليه.. ناهيك بالحوار والتفاوض!
ترى لماذا توقف الجهاد هناك ومازال ماضيا على اشده هنا؟
هل الامريكان أشد عداوة للذين امنوا من الاسرائيليين؟ أم أن النصارى أشد خطرا على الاسلام من اليهود؟
لو كان المجاهدون الفلسطينيون من مذهب آخر لقلنا أن المسألة تخضع لاجتهادات فقهية، تجيز العمل بالتقية، او تبيح الصلح والمهادنة مع الكافر الحربي، وما الى ذلك من عناوين، ولكنهم جميعا اخوان في المذهب والعقيدة والخط السياسي، كلهم جهاديون كلهم من اهل السنة والجماعة لا رافضي ولا بينهم حكومي ولا عميل ولا سياسي ولا علماني، بل كلهم اسلاميون مؤمنون بالبندقية والرشاش والعمليات الانتحارية.. فلماذا توقفت الجماعة هنا ولا تزال مستمرة في العراق؟
أعتقد أن السر في أمرين:
الاول فكري حركي: حيث إن الجهاديين في العراق هم من اتباع المدرسة التكفيرية وينتمون ساسيا الى القاعدة وغيرها من المنظمات الموازية، كحرس الصحابة وانصار السنة، اما الفلسطينيون فينتمون الى الاخوان المسلمين والى حزب التحرير ولم يكن حسن البنا تكفيريا.
فالعلة إذاً في المدرسة التكفيرية لا الجهادية، فبينما تتمتع الثانية بشيء من المرونة وامكانية الحداثة والتطوير ومواكبة العصر، فهي ابنة المدنية والحضارة بكل معطياتها التي تجعلها قابلة للتفاوض والتفاهم والوصول الى حلول ما.. تقبع المدرسة الاولى في اقصى مراتب التحجر والتطرف، فهي ابنة الصحراء وما كانت لترث منها الا الشدة والحدة والجلافة التي زرعت في روادها قسوة لا متناهية. وكأن الشيطان قد استولى على منابع العطف والرقة في نفوسهم هؤلاء، ونزع جذور الرحمة من قلوبهم، فصاروا يتلذذون بالقتل ويعشقون التدمير، لا أنه امر كتب عليه وهو كره لهم!؟
أما الأمر الثاني: إن هذه القسوة والعشوائية والاصرار على القتل والتدمير يرجع الى نظرة التكفيريين للعراق، وانه اصبح دولة الآخرين وبلاد غيرهم، حين خرج من ايديهم بسقوط صدام «الذي يصنفونه - على علاته - سنياً كان يحارب المظاهر الشركية»، ولا تعجب أخي القارئ من هذا، ففي تاريخ ممتد ثلاثة عقود لم يتصد لمعارضة صدام ناهيك بمواجهته او جهاده من الاسلاميين السنة الا «شرذمة» قليلة كان الشهيد البدري في طليعتها، ولا ترى اليوم الا امثال حاجم الحسني ومحمد عبدالحميد، وكلهم اخوان مسلمين بعيدون عن الفكر التكفيري! نعم إن ما يؤجج للارهاب في العراق نظرة تنطلق من هذا الأفق الظلامي الموغل في الطائفية العمياء، والقومية الجهلاء، فدولة رئيس جمهوريتها كردي، ورئيس وزرائها شيعي لا تشكل لهم اية حرمة ولا تعني اية قيمة!
فالتدمير سواء في الناس وتحويلهم اشلاء، او في البنى التحتية للبلاد وخراب الشوارع والمدارس والمستشفيات وتعطيل المصالح وتأخير الاستقرار... كلها أمور يتوقف الامتناع عن القيام بها او التحفظ عليها في لغة المجاهدين على المقارنة بين المصالح والمفاسد، ودراسة الثمار والنتائج ثم ترجيح كفة على أخرى: هل تستحق المكاسب ما نخسره فنستمر في الجهاد، أم أن الثمن الذي ندفعه يفوق المثمن فنتوقف؟
ووفقاً للمنطلقات الطائفية للمدرسة التكفيرية، لا مصلحة في العراق تحبسهم عن الاستمرار في تدميره، العراق في قاموسهم بلاد البدع والمتبدعة والقبور وعبّادها! وهو بمثابة ميدان رماية وجبهة نزل فيها اعداؤهم الى حيث يريد هو ويريدون، ولا حرمة للناس هنا، ولا قيمة للبلاد، فلماذا يتوقفون عن التدمير والتخريب، ولسان حالهم بعد سقوط صدام ورحيل الأعزة وذهاب عزهم: «علي وعلى أعدائي»!.
بينما الامر ليس كذلك في فلسطين، فالمجاهدون ينظرون الى البلاد على انها بلادهم، والمصالح فيها مشتركة معهم، والسلطة ستؤول الى من ينتسبون الى مذهبهم، ولو كانوا فسقة وعلمانيين ومجرمين، لكنهم من اهل المذهب نفسه وليسوا من اتباع مذهب آخر، ومن ابناء القومية نفسها، اي عرب مثلهم لا اكراد ولا شركس!.
لهذا توقف «الجهاد» في فلسطين ومازال مستمراً، سيبقى حتى آخر تكفيري في العراق.